مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
213
تفسير مقتنيات الدرر
ذكر سبحانه الأمم المكذّبة تسلية للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وتهديدا للكفّار فقال : * ( [ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ] ) * أي قبل أهل مكّة * ( [ قَوْمُ نُوحٍ ] ) * وكانوا بنو شيث وبنو قابيل * ( [ وَأَصْحابُ الرَّسِّ ] ) * أيضا كذّبوا . قيل : كانت الرسّ بئرا بعدن لامّة من بقايا ثمود وكان لهم ملك عادل حسن السيرة يقال له العليس - كزبير - وكانت البئر تسقي المدينة كلَّها وباديتها وجميع ما فيها من الدوابّ والغنم والبقر وغير ذلك وكانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها ورجال كثيرون موكّلون بها وحياض كثيرة تملأ للناس وآخر للدوابّ وآخر للغنم والبقر وكذلك ولم يكن لهم ماء غيره فطال عمر الملك فلمّا جاءه الموت طلي جسده بدهن ليبقى صورته ولا تتغيّر وكذلك كانوا يفعلون بالشرفاء . وبعد أن مات الملك شقّ ذلك عليهم ورأوا أنّ أمرهم قد فسد وضجّوا بالبكاء واغتنمها الشيطان فدخل في جثّة الملك فكلَّمهم بأنّي لم أمت ولكنّي نفيت عنكم حتّى أرى صنيعكم يعدي ففرحوا وأمر لخاصّته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم ويكلَّمهم الشيطان من ورائه كيلا يعرف الموت في صورته فنصبوه صنما من وراء حجاب لا يأكل ولا يشرب وأخبرهم أنّه لا يموت أبدا وأنّه إله لهم وذلك كلَّه تتكلَّم به الشيطان على لسانه فصدّق كثير منهم وارتاب بعضهم وكان المؤمن المكذّب منهم أقلّ من المصدّق واتّفقوا على عبادته . فبعث اللَّه لهم نبيّا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة وكان اسمه حنظلة ابن صفوان فأعلمهم أنّ الصورة صنم لا روح له وأنّ الشيطان فيه وأنّ الملك لا يجوز أن يكون شريكا للَّه وأوعدهم ونصحهم وحذّرهم سطوة ربّهم فعادوه وآذوه وهو يتعهّدهم بالموعظة والنصيحة حتّى قتلوه وطرحوه في البئر وعند ذلك حلَّت لهم النقمة فباتوا شباعا رواء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطَّل رشاؤها فصاحوا بأجمعهم وضجّت البهائم عطشا حتّى عمّهم الموت وخلَّفهم في أرضهم السباع والثعالب والضباع وتبدّلت جنّاتهم